قالت عنها لجنة التحكيم – التي قضت بفوز رواية «أم الدويس» في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2011م – للدكتور خالد الكندي – أنها : «على الرغم من تقليدية الأداء السردي العام في هذه الرواية، وانتمائها، ربما، إلى مرحلة سابقة من تاريخ التطور الروائي في عمان، فإن موضوعها المحلي وضبط لغتها وطبيعة حواراتها، تجعلها من أفضل الأعمال السردية المقدمة إلى هذه المسابقة. لقد اعتمدت الرواية – حسب لجنة التحكيم أيضا – على جذور حكائية شعبية، ونجحت في توظيف بعض مفردات الحياة البدوية والعمانية بشكلها الواقعي والخرافي ضمن الفضاء الاجتماعي المحافظ نفسه، وما ينطوي عليه من حرص على توكيد المبادئ الأخلاقية والدينية السائدة. وقد فعلت هذه الرواية كلَّ ذلك – كما تقول لجنة التحكيم أيضا – من خلال وحدات سردية تبدو منفصلة، ولكنها تظل متساندة وقادرة بطريقة لا بأس بها على خدمة الهدف العام وتطور السرد، على ما يبدو في بعض أجزائها ولاسيما الختامي منها من تصنع وحرص من الراوي على أن ينتهي كل شيء على الوجه المطلوب، وليس على أساس المقتضيات والمتطلبات الروائية حتى بشكلها الواقعي، فيما يتصل ببناء الشخصية وطبيعة العلاقات القائمة بين أبطالها»(1) وبعد، فقد أوردتُ رأي لجنة التحكيم في رواية «أم الدويس» باعتباره رأيا سابقا لهذه الوقفة مع الرواية ذاتها، إذ من شأن كل قارئ أن يعود إلى ما قيل سابقا في النص الذي هو بصدده، وإذا كان رأي اللجنة رأيا تقييميا ترجيحيا بالدرجة الأولى، فإن هذه الورقة إنما تقدم قراءة لا تدعي تقييما، ولا تروم صياغة حكم إلا بالقدر الذي ستكشفه ثيمة البحث وزاوية الرؤية التي حددتها القراءة، فاختارت صورة البطولة المؤنثة مدخلا تلج من خلاله إلى عتباتها. إذ لا يفوت قارئ رواية «أم الدويس» أن يلاحظ الحضور الكثيف للمرأة .. ذلك الحضور الذي لا يكتفي بتقديم المرأة في أكثر من شخصية داخل البناء الروائي وحسب – كما هي في كثير من الروايات – ولكنه يقدمها في صورة معكوسة تبادل الرجل أدوارها تارة وتلغيه تارة أخرى، ليبقى على الهامش غالبا إزاء حركة الأحداث في خط سير الرواية التي رسمت لنفسها منحى يجعل العمل البطولي فعلا أنثويا بالدرجة الأولى في ظروف زمانية ومكانية تصور حالة أمنية مضطربة في الزمن الذي اختاره الكاتب من ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما يعني في المقابل – حسب المعطى النصي – سلب المذكر سماتِه المميزةَ وإكسابَها للمرأة. ووفقا لهذه الملحوظة الأولية، ستحاول هذه الورقة الوقوف على أبعاد مفهوم البطولة الذي نروم تجليته من خلال الشخصيات الروائية النسائية، ومقارنتها بالشخصيات الذكورية فيها. كما لا يفوت القارئ – أيضا – أن رواية «أم الدويس» تعوّل على الغاية التعليمية في حبكتها الروائية، من خلال سعيها الحثيث للإجابة عن سؤال محوري في الموضوع العقدي المباشر، وقد سعت من أجل هذه الغاية سعيها، ولعله من المناسب الوقوف على الأدوات الفنية التي توسلها الكاتب من أجل تصوير رؤيته الروائية الباحثة من خلال الحدث المحسوس عن الأفكار المجردة في رحلة تشكيل الفكرة حدثا، دون أن ننسى أن للكندي عملا سابقا يكاد يختط الأسلوب نفسه المرتكز على الحدث في أقصى درجاته في روايته الأولى الموسومة بـ»صراع العقول». وعلى ذلك، فإن هذه الورقة ستحاول الوقوف على محورين اثنين، أولهما: - شخصية المرأة وصورة البطولة المقلوبة، أو سلبية المذكر: وفيه ستتناول تحليلا للشخصية المؤنثة، واستدعاءً لحالات انسحاب الرجل وتركه لفراغات الفعل الإيجابي مكثفا حضوره في السلبي منها. - وثانيهما: الغائية في البناء الروائي، ووسائله المفضية إلى إنتاج رواية تعليمية في الفكرة والتقنية، ومن خلال هذه الأخيرة ستتسنى معاينة عناصر البناء الفني للعمل الروائي بالفحص والتحليل. عتبة البدء: تحكي رواية «أم الدويس» قصة وقعت أحداثها في ثلاثينيات القرن الماضي «تحديدا عام 1934م»، عن فتاة من صحار اختطفها فارسان ملثمان ليسلماها لقاطع طرق وتاجر بشر يقطن في البريمي يدعى «سويلم» - أو الشيخ سويلم كما يطمح أن يكون - نظير مبلغ من المال. تتعرف أسماء على مختطفة سابقة في خيمة سويلم تدعى «عفرة» وقد تعهدت السابقة منهما اللاحقة بالرعاية والاهتمام، بعد أن أطلعتها على جزء من حكايتها ومجيئها من مكران إلى البريمي، تحكي «عفرة» ذلك في محاولة ناجحة للتخفيف عن أسماء وقع مصيبتها، دون أن تكون لعفرة القدرة على تذكر أهلها وبلدها الأصلي بسبب فقدانها للذاكرة عندما كانت في سن السابعة من عمرها. تتمكن أسماء من العودة إلى صحار بمساعدة الفارسة «جهيرة» التي تعمل في بيت الشيخ «قحطان» زعيم القبيلة أنيسةً لابنته «فيحاء» وصانعة للأدوية العشبية فضلا عن حياكتها للثياب .. تتمكن جهيرة من تهريب أسماء بعد خطة حاكت خيوطها الشيخة فيحاء، وقد اكتنفت رحلة العودة مغامرات لا حصر لها استطاعت أن تظهر ذكاءً وفطنةً وشجاعةً اتصفت بها الفتاتان جهيرة وأسماء، فتمكنتا من الوصول إلى صحار بسلام. وفي صحار تُخرج أسماء عقدا - كانت قد أهدتها إياه «عفرة» – لتريه لأمها، وليبقى ذكرى تستعيدها به كلما حنت إليها، فإذا بأم أسماء تقع مغشيا عليها لدى رؤية العقد، إذ كان ذلك العقد هو نفسه الذي كانت تلبسه الأخت الأكبر لأسماء عندما كانت صغيرة قبل أن تختفي. وفي سياق موازٍ يسير خط قصة أخرى للفتاة مريم التي خرجت للعب مع صويحباتها على الشاطئ، فتغريها السفن وحكايات أبيها عن البحر لركوب إحدى السفن الكبيرة التي توشك على الإقلاع، فتتمكن من الاختباء في أحد صناديق حفظ الأطعمة، فينقلها البحارة مع بقية الأمتعة من الشاطئ إلى بطن السفينة، وتبقى حبيسة في الخن خشية اكتشاف البحارة لحقيقة وجودها، ولكنها عندما اطمأنت إلى نوم الجميع خرجت لتأكل مما حولها في الخن، فإذا بها تستسلم لسنة من النوم وتغفو حيث جلست في بطن السفينة، لتصطدم رِجلُ أحد البحارة - بعد حين - بجسد الطفلة النائمة، فيُعلم قائد السفينة بوجودها، وينبثق السؤال عن كيفية التصرف حيالها وقد أصبحت السفينة في عرض البحر. ولكن لم يمض وقت طويل حتى هبت عاصفة أغرقت السفينة بمن فيها على دفعتين، وتقع مريم ليرتطم رأسها بجسم ثابت تفقد على إثره وعيها وذاكرتها، فتسلمها الظروف إلى يد القراصنة الذين باعوها على الشاطئ حتى وصلت أخيرا إلى خيمة سويلم، فاتخذتها زوجته ابنتا لها، وأحسنت رعايتها وتربيتها قبل أن تموت وتتركها لوحدتها. فقد كانت «عفرة» - إذن - هي مريم أخت أسماء المفقودة منذ سنوات، وقد شاء القدر أن تختطف أسماء حتى تلتقي بأختها في بادية البريمي، وبمجرد ان تكشف هذه الحقيقة يذهب والد أسماء ومريم مع من ذهب إلى البريمي لاستعادة ابنته المفقودة، فتتحقق بذلك مقولة القدر بأن كل ما أصاب الإنسان إنما هو لخير أريد له به، وهو ما كانت تحاول أسماء أن تعلمه لجهيرة في رحلة عودتهما إلى صحار، فكان الخير متمثلا في التوصل إلى المفقودة مريم وعودة الأختين معا. ويلاقي سويلم بعد ذلك المصير الطبيعي والمستحق من أهل بلدته بنفيه وإبعاده عنها، إلى أن قضى عليه الشيخ «مشعان» ورجاله بعدما هجموا على خيمته التي كان يحتفل فيها مع رفاقه بخروجهم رابحين من معركة القبيلة. إن الاختصار السابق لمجريات أحداث الرواية كفيل بأن يطلعنا على مدى الارتكاز على الحدث الذي تنهض الرواية برمتها عليه، دون أن ننسى أن الأحداث السابقة مروية بلسان الجدة – كما يفترض – على أحفادها الثلاثة عائشة وريم وعبدالله «أو عبود الصغير» ذي الأعوام الأربعة، وهو الأمر الذي يضيف بعدا آخر متمثلا في المخزون الشعبي من الحكايات العمانية التي استطاعت هذه الرواية توظيفها واستغلالها في عمل أدبي استعيرت له تسمية من الموروث الشعبي نفسه ألا وهو «أم الدويس». منى بنت حبراس السليمية ناقدة من عمان